مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد أيوب

>

«يوليو» وأسرارها

 

لا عمل بشريًا كامل 100 %، فالكمال لله وحده، غير أن الأمانة تقتضى التقييم الموضوعى للأحداث، فلا نتعامل معها بمنطق «نصف الكوب الفارغ». والموضوعية تتحقق بالحفاظ على مسافة زمنية معقولة تتيح لنا رؤية الحدث بعيدًا عن العواطف والمصالح.
والمؤكد أن ثورة 23 يوليو 1952 كانت واحدًا من أهم الأحداث التى مرت بتاريخ مصر الحديث.

قبل 31 عامًا كلفنى الأستاذ الكبير سمير رجب رئيس مجلس إدارة دار التحرير ـ فى ذلك الوقت ـ بإجراء سلسلة من الحوارات مع الشخصيات السياسية التى أسهمت فى صنع التاريخ، بهدف توثيق شهاداتهم على الأحداث الكبرى التى مرت بها مصر. 
التكليف جاء بعد نجاح حوارى الأول مع الدكتور عزيز صدقى رئيس الوزراء الأسبق، و«أبو الصناعة» المصرية، وأول وزير للصناعة اختارته الثورة سنة 1956.
انطلقت فى سلسلة من الحوارات الوثائقية، وأسعدنى الحظ أن أحاور العديد من أعضاء مجلس قيادة الثورة، ورجال الرئيسين محمد نجيب وجمال عبدالناصر، بل امتدت الحوارات للعديد من أعضاء الأسرة الملكية السابقة، ومن بينهم اللواء مصطفى كامل صادق عم الملكة «ناريمان»، كما تحدثت للملكة ذاتها، ولكن حالت ظروفها الصحية أواخر أيام حياتها دون محاورتها حتى رحيلها فى 2006. 
ومن بين من عرفتهم السيد حسين الشافعى عضو مجلس قيادة الثورة ونائب رئيس الجمهورية الأسبق، حيث جمعتنى به لقاءات عديدة فى استراحته بجزيرة «الشاى» بالإسكندرية، ومنزله فى حى الدقى.

روى لى حسين الشافعى الكثير عن «يوليو وأسرارها»، وبدأ حديثه معى بيوم 16 يناير 1952، يوم ميلاد الأمير أحمد فواد ولى العهد، وحفل الاستقبال الذى أقامه الملك فاروق فى قصر «عابدين» لكبار القادة احتفاء بهذه المناسبة، وكان الشافعى واحدًا ممن حضروا هذه المناسبة.
- فى هذا اليوم وقف الملك فاروق يحمل ولى عهده موجهًا حديثه للجميع قائلًا: «ابنى هذا أقدمه هدية لمصر».
- سخر حسين الشافعى وزملاؤه من مقولة الملك، وقالوا هامسين: وده نصرفه منين؟
تقدم كبار المدعوين لتهنئة الملك، وكانت المصافحة تشمل تقبيل يده، وشعر الضابط الشاب بالحيرة، فهو لا يريد تقبيل يد الملك، فإذا صافحه دون تقبيل يده، سيتم اعتبار ذلك نوعًا من التمرد وعدم الولاء، وقد يؤدى إلى حدوث أزمة.
سار الطابور طويلًا، وفجأة شعر الملك بالإرهاق، واكتفى بهذا القدر من المهنئين، ولم يصل حسين الشافعى للملك، فأعفاه القدر من تقبيل يده.
- يقول حسين الشافعى: تمر الشهور، وتتسرب أنباء عن وجود تحركات بالجيش، ويُفاجأ الملك فاروق بوصول المنشورات إلى مكتبه، فيكلف «الحرس الحديدى» بقيادة سيد جاد للتحقق من الأمر، ويدرك الضباط الأحرار أن أمرهم بدأ ينكشف، ويتخوفون من تحرك الملك فى ضربة استباقية، فيقررون التبكير بالثورة قبل موعدها الأصلى بشهرين، لينطلق بيانها الأول صباح 23 يوليو 1952.
- وأضاف: نجحت حركة الضباط، وتنحى الملك عن الحكم، وتقرر أن يغادر مصر يوم 26 يوليو 1952، ويشاء القدر أن أكون برفقة الرئيس محمد نجيب فى وداع الملك على متن يخت «المحروسة».
- وقال اقتربت من الملك مصافحًا إياه ليسألنى عن اسمى، فأجبت: «حسين الشافعى»، عاود الملك سؤالى مرة أخرى، وتتكرر نفس الإجابة، ويهز الملك رأسه، لأكتشف أن إسمى كان معلومًا لديه ويتردد على مسامعه.
- ويعلق حسين الشافعى على مشهد خروج الملك من مصر بقوله: حمدت الله أننى لم أصافح الملك يوم ميلاد إبنه، ويبدو أن القدر ادخر لى هذه المصافحة يوم وداعه، ولكن دون تقبيل لليد.
غادر الملك، وكانت آخر كلماته قبل رحيله من مصر:
«هذا الجيش هو جيش أجدادى .. حافظوا عليه».